ابن قيم الجوزية
591
تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )
التي قيلت في مواضعها ، فعليك بها . وأما المسألة الثالثة ، وهي : تكرير الأفعال بلفظ المستقبل حين أخبر عن نفسه وبلفظ الماضي حين أخبر عنهم . ففي ذلك سر ، وهو الإشارة والإيماء إلى عصمة اللّه لنبيه عن الزيغ والانحراف عن عبادة معبوده ، والاستبدال به غيره ، وأن معبوده الحق واحد في الحال والمآل على الدوام ، لا يرضى به بدلا ، ولا يبغي عنه حولا ، بخلاف الكافرين فإنهم يعبدون أهواءهم ، ويتبعون شهواتهم في الدين وأغراضهم . فهم بصدد أن يعبدوا اليوم معبودا ، وغدا غيره . فقال : لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ يعني الآن وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ أي الآن أيضا . ثم قال : وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ يعني ولا أنا فيما يستقبل يصدر مني عبادة لما عبدتم أيها الكافرون ، وأشبهت « ما » هنا رائحة الشرط ، فلذلك وقع بعدها الفعل بلفظ الماضي ، وهو مستقبل في المعنى ، كما يجيء ذلك بعد حرف الشرط ، كأنه يقول : مهما عبدتم من شيء فلا أعبده أنا . فإن قيل : وكيف يكون فيها الشرط ، وقد عمل فيها الفعل ، ولا جواب لها وهي موصولة . فما أبعد الشرط منها ؟ . قلنا : لم نقل : إنها نفسها شرط ، ولكن فيها رائحة منه ، وطرف من معناه لوقوعها على غير معين وإبهامها في المعبودات وعمومها ، وأنت إذا ذقت معنى هذا الكلام وجدت معنى الشرط باديا على صفحاته . فإذا قلت لرجل مّا - تخالفه في كل ما يفعل - : أنا لا أفعل ما تفعل . ألست ترى معنى الشرط قائما في كلامك وقصدك ، وأن روح هذا الكلام : مهما فعلت من شيء فإني لا أفعله ؟ . وتأمل ذلك من مثل قوله تعالى : قالُوا : كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ؟ كيف تجد معنى الشرطية فيه ؟ حتى وقع الفعل بعد « من » بلفظ الماضي ، والمراد به المستقبل ، وأن المعنى : من كان في المهد صبيا